91 متهماً في جرائم احتيال بالملايين وقتل وتعذيب.. تفاصيل مرعبة من العالم السفلي لمدينة فيينا بطلها شيشاني وسوري

النمسا ميـديـا – فيينا:
كشفت تحقيقات موسعة أجرتها السلطات الأمنية والادعاء العام في فيينا، ونشرت تفاصيلها صحيفة Der Standard النمساوية، عن شبكة إجرامية خطيرة في العالم السفلي للعاصمة النمساوية، تورطت في قضايا تعذيب وحشي واحتجاز رهائن، إلى جانب إدارة شبكة احتيال إلكتروني ضخمة استولت على ملايين اليوروهات، وصولاً إلى شبهات جريمة قتل غامضة وتفتيت جثة أحد الشركاء، وذلك إثر بلاغ تقدم به شاب سوري في أواخر أكتوبر من العام الماضي يفيد بتعرضه لتعذيب عنيف في قبو أحد المطاعم بسبب خلافات مالية على أموال مسروقة.
بداية الخيط: بلاغ الضحية السورية من قبو التعذيب
تعود تفاصيل القضية الفادحة إلى أواخر شهر أكتوبر، عندما مثل شاب سوري أمام مركز شرطة في منطقة Wien-Favoriten، سارداً رواية لا تصدق لرجال الأمن. وأفاد الضحية بأنه تم استدراجه إلى محطة القطارات الرئيسية Hauptbahnhof من قبل أحد معارفه، ليتم شحنه بعد ذلك داخل سيارة ونقله إلى قبو تابع لمطعم يقع بالقرب من قصر Belvedere. وذكر الشاب أنه احتُجز هناك لعدة أيام، حيث سُرقت محفظته وهاتفه ومفاتيحه، وتعرض لتعذيب وحشي باستخدام أسلوب الإيهام بالغرق، بل وأشار إلى أن ضحية أخرى في المكان نفسه تعرضت لقطع الأنف والأذنين، قبل أن يعتذر الخاطفون منه فجأة ويطلقوا سراحه. وعرض الشاب على أفراد الشرطة مقاطع فيديو عبر تطبيق Snapchat تظهر القبو، وسلاحاً نارياً، وكميات من الأموال النقدية.
تحقيقات معقدة تكشف شبكة احتيال دولية
استجابة للبلاغ، وافق قاضي المناوبة عبر الهاتف في الليلة نفسها على إذن بتفتيش الموقع، وقام رجال الشرطة بتمشيط المنطقة المذكورة برفقة الضحية. وعلى الرغم من عدم العثور على آثار دماء في البداية وتغيير الضحية لأقواله عدة مرات، إلا أن التحقيقات اللاحقة أثبتت صحة الرواية الأساسية. ولم تقتصر القضية على الخطف والتعذيب فحسب، بل قادت إلى الكشف عن عملية احتيال واسعة النطاق تمتد خيوطها إلى دول أخرى.
Bautdin D. القيادي الشيشاني ذو السجل الإجرامي الحافل
أشارت التحقيقات إلى أن المسؤول الأول عن أعمال العنف في القبو هو المدعو Bautdin D.، البالغ من العمر 41 عاماً، وهو مواطن شيشاني عاطل عن العمل رسمياً، ومعروف في الأوساط الإجرامية بلقب “Baudi” أو “Hussein”. يمتلك هذا الشخص سجلاً جنائياً حافلاً بالجرائم يشمل الاحتيال، وحيازة الأسلحة النارية غير المشروعة، والاعتداء الجسدي، ولم تتجاوز فترات عقوباته السابقة في السجن بضعة أشهر. وتبيّن أن Bautdin D. والضحية السوري كانا شريكين تجاريين في العالم السفلي لمدينة فيينا، إلى أن اختفى مبلغ 100,000 يورو فجأة من المحفظة الرقمية الخاصة بالشيشاني، مما دفعه للاشتباه في شريكه وتلقينه درساً قاسياً.
أسلوب مبتكر في الاحتيال الهاتفي والإلكتروني
كشف ملف التحقيق الخاص بالشرطة الجنائية عن مخطط بياني ضخم يربط بين ضحايا هجمات التصيد الإلكتروني في جميع أنحاء النمسا والمتهمين المفترضين. وكانت العصابة تعتمد على إرسال رسائل بريد إلكتروني ونصية قصيرة تحذر من محاولات احتيال وهمية، تليها مكالمات هاتفية يدعي فيها الجناة أنهم موظفو بنوك لإبلاغ الضحايا بوجود معاملات مشبوهة تستدعي التحقق. وطُلب من الضحايا تثبيت برنامج AnyDesk على الحواسيب، مما أتاح للمحتالين التحكم الكامل بالأجهزة وتوجيه الضحايا لاعتماد تحويلات مالية، وفي بعض الحالات تمكنوا من سلب بطاقات الصراف الآلي من منازل الضحايا مباشرة.
تبييض الأموال عبر العملات الرقمية وحسابات المستعارين
تمكنت العصابة بهذه الطريقة من الاستيلاء على قرابة مليون يورو في الفترة من مايو إلى أكتوبر 2025، وفقاً لما تمكن الادعاء العام في فيينا من توثيقه، مع ترجيح أن يكون المبلغ الإجمالي أعلى بكثير. ولإخفاء تدفقات الأموال، قام الجناة بتحويل الغنائم إلى حسابات مصرفية متعددة تعود لمواطنين سوريين سلموا بطاقاتهم المصرفية ورموزها السرية للعصابة. وتولى Bautdin D. جمع هذه الأموال وتحويلها إلى عملات رقمية لتصعيب تتبعها، وكان الشاب السوري المفترض تعذيبه يدير أحد هذه الحسابات المستعارة، وهو ما جعله في مرمى اتهامات الشيشاني بسرقته. وقد عثرت الشرطة في هاتف المتهم على فيديو يظهره والضحية السوري مع ضحية أخرى مقيدين داخل المخزن. وتوسعت القضية بشكل هائل لتشمل حالياً 91 متهماً مفترضاً.
اختفاء غامض وشبهات قتل وتفتيت جثة
لا تتوقف الإشاعات والاتهامات عند التعذيب، بل تمتد إلى جريمة قتل مفترضة في القبو الواقع في المنطقة الرابعة بفيينا، حيث كان Bautdin D. يمتلك مفتاحه المودع في مقهى مجاور. وعثر المحققون لاحقاً على آثار دماء تعود للضحية السوري، إضافة إلى آثار دماء تعود لشخص يدعى Anatolie C. على أحد الكراسي. ويعتبر Anatolie C.، وهو مواطن مولدوفي يبلغ من العمر 39 عاماً وذو عين زجاجية، من المقربين جداً من “Baudi” وعمل كـسائق ومراسل له وموفر لسكنه.
وفي ديسمبر 2025، تلقت أجهزة أمن الدولة معلومات من مصدر تفيد بأن Bautdin D. قتل Anatolie C. في القبو بضربه بسلسلة حديدية ثم قام بتقطيع جثته، نظراً لإدارته حساباً بنكياً كان يُستخدم لتخزين أموال العصابة. واختفى المولدوفي تماماً منذ نهاية أكتوبر 2025، وتوقفت حساباته البنكية ونشاطاته على وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم تسجيل والدته بلاغاً باختفائه، ورصد إشارة هاتفه لآخر مرة في منطقة Mattersburg القريبة من الحدود المجرية، إلا أنه لم يتم العثور على جثته حتى الآن.
مبررات واهية أمام القضاء والمطعم يواصل عمله
واجه المتهم Bautdin D. اتهامات الشرطة بإنكار تام، مدعياً أن الضحية السوري صديقه وأنهم تناولوا الشاي واحتفلوا معاً، حتى بعد مواجهته بمقاطع الفيديو التوثيقية للتعذيب. وحول العثور على 1600 يورو من العملات المزيفة في شقته أثناء المداهمة، زعم أنها كانت مخصصة فقط لإشعال موقد الحطب للتدفئة. ويواجه “Baudi” وثلاثة من شركائه حالياً لائحة اتهام أولى تتعلق بقضية التعذيب، تشمل السطو المشدد، وحرمان الحرية، والاعتداء الجسدي الجسيم العمد، ويواجه عقوبة تصل إلى السجن لمدة 15 عاماً، في حين لا تزال تحقيقات جريمة القتل مستمرة. والمثير للاهتمام أن المطعم المعني لا يزال يفتح أبوابه ويقدم مأكولاته التقليدية حتى اليوم.